الشيخ محمد حسين الحائري

137

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

عندنا حيث لا تكون المقدمة المحرمة سببا كما مر في بحث المقدمة وظاهر أن فعل الخياطة سبب لحصولها فلا يمكن الامتثال بالتوصل به إليها وعلى الوجه الثاني بأن الخياطة كالصلاة عبارة عن أفعال مخصوصة ودعوى أن الكون جز منها دونها تحكم واضح أقول إذا قلنا بأن الكون جز من الصلاة لم نرد به كون المكلف أي وجوده كما قد يسبق إلى الوهم فإنه ليس جز من الصلاة ضرورة أن وجود الموضوع ليس جزا من العرض القائم به ولا كونه في المكان أعني تخيره فيه لان مفهوم التخير خارج عن مفهوم الصلاة كما سننبه عليه بل نريد به الأكوان التي يكون المصلي عليها من حركاته وسكناته كقيامه وركوعه وسجوده ولا ريب أن القيام في المكان المغصوب عين الغصب وجز من الصلاة وعلى حده بقية الأكوان فيكون الصلاة في المكان المغصوب بجميع أجزائها الفعلية غصبا لأنها عبارة عن حركات وسكنات مخصوصة هي غصب إذا وقعت في المكان المغصوب نعم لو قلنا بأن النية جز من الصلاة كان ما عداها من بقية الأجزاء غصبا وفي القراءة وجهان والتحقيق أنها ليست غصبا وإنما هي مسببة عن تصرف غصبي فيمتنع مطلوبيتها مع تحريمه كما مر وأما الخياطة فهي بمنزلة الصلاة في كون الكون بالمعنى الأخير جزا منها لكن ليس النهي في الفرض المذكور عنه بل عن الكون بالمعنى الثاني لأنه المتبادر من قول القائل لا تكن في مكان كذا وهو خارج عنها وتوضيح ذلك أن كون الانسان في الدار ليس نفس كونه متحركا أو ساكنا بل للانسان المتحرك أو الساكن فيها صفتان متمايزتان إحداهما كونه في الدار وتخيره فيها وهي صفة لاحقة للذات باعتبار ما شغله من القضاء والأخرى كون الحركة أو السكون قائمة به ولو كان التخير أعني الكون في المكان عين الحركة والسكون لصدق أن بعض التخير حركة أو سكون كما يصدق في المثال المتقدم أن بعض الصلاة غصب إذ المناط في الحمل مجرد الاتحاد في الخارج وظاهر أنه لا يصدق وأما ما يقال من أن الحركة كون الجسم في المكان الثاني بعد كونه في المكان الأول أعني مجموع الكونين فتسامح بل التحقيق في حدها ما ذكره الآخرون من أنها خروج الجسم من مكان إلى مكان فيكون أمرا مغايرا للكون في المكان مضافا إليه لا يقال فالحركة الخاصة لكونها أمرا إضافيا تتوقف على الكون الخاص ضرورة أن المضاف الخاص يتوقف على خصوص ما يضاف إليه فيجب الكون الخاص من باب المقدمة فيجتمع فيه الامر والنهي لأنا نقول ليس المراد أن الحركة صفة مضافة إلى الكون في المكان بل إلى نفس المكان والكون فيه من لوازمه فلا توقف لها عليه أصلا ومع الاغماض عن ذلك نقول إنما تجب الحركة الخاصة بالوجوب التخييري نظرا إلى كونها أحد أفراد الواجب التعييني على تقدير حصول مقدمتها من الكون المحرم لا مطلقا ووجوب الواجب على تقدير حصول مقدمة لا يقتضي وجوبها فلا يلزم اجتماع الحرمة معه فيها فالكلام في المقام على حد الكلام في الضد حيث يجب على تقدير حصول مقدمته من ترك الواجب المحرم مع أنه لا يقتضي وجوبه وقد مر تحقيق ذلك فإن قلت قضية النهي عن طبيعة الكون حرمة كل واحد من أفرادها والخروج من مكان سبب للكون في مكان آخر وهو محرم لأنه أحد أفراد الكون المحرم فيحرم الخروج منه لحرمة معلوله قلت كما أن الخروج من مكان سبب للتوصل إلى الفرد الثاني كذلك سبب للتخلص عن الفرد الأول وكما أن الأول جهة لتحريمه كذلك الثاني جهة لوجوبه وهما متساويان في المرتبة إذ التقدير تساوي نسبة التحريم إلى جميع الأكوان الخاصة فتتعارضان وتتساقطان فيبقى السبب بالنظر إلى هاتين الجهتين خاليا عن الحكمين فإذا تحقق له جهة أخرى مقتضية لوجوبه صح اتصافه به ولو فرض كون الحركة رافعة للتمكن من الخروج ولو في زمن يسير لم يؤثر فيها ذلك جهة قبح زائد يعرف وجهه مما أسلفناه في مسألة الضد حيث لم نفرق فيه بين الرافع منه للتمكن وغيره ويظهر مما قررنا أنه لو كانت الحركة في جوانب المكان بحيث يتسبب لزوال الكون المباح وحدوث الكون المحرم كانت محرمة وحينئذ فربما أشكل الامر في مسألة الخياطة إذا فرض وقوعها في جوانب الدار بحيث يكون تحريك اليد فيها من خارجها إليها مع أن أهل العرف لا يفرقون في الحكم بالامتثال بينه وبين وقوعها في الدار وجوابه أنا إن قلنا بأن المفهوم من قول القائل لا تكن في الدار المنع من كون أصل الجثة فيها خاصة كما يشهد به عدم الاعتداد بإدخال مثل يده فيها مع خروج الجثة في حصول المخالفة ولا بإخراجها مع دخول الجثة في رفع المخالفة أو تخفيفها كان كون اليد في الدار غير محرمة فلا ينافي في وجوب حركتها إليها وفيها مطلقا وبه يتضح وجه آخر في الجواب عن الاستدلال المذكور أيضا وإن جعلنا المدار على ما يعد عرفا كونا له فيها كما هو التحقيق فلا خفاء في أنه ليس للعبد فيها إلا كون واحد فإن كان فيها بتمام أعضائه عد كون المجموع كونا واحدا محرما وإن ترك بعض أعضائه كاليد خارجها كان كون البقية كونا واحدا محرما فهما فردان من الكون في مرتبة واحدة من التحريم فتحريك اليد في الفرض المذكور من قبيل التسبب للانتقال من فرد محرم إلى مثله وقد عرفت خلو مثله عن التحريم هذا فإذا ثبت مما حققنا أنهما أمران متغايران جاز أن يتعلق الامر بأحدهما والنهي بالآخر وخرج عن محل النزاع فلا مطابقة بين المثال المذكور وبين المقام وإن أريد المثال المطابق فليمثل بما لو أمر المولى عبده بخياطة ثوب ونهاه عن التصرف في مكان فخاطه فيه ولا ريب في أنه لا يعد ممتثلا نعم يجوز أن يسقط عنه التكليف بالخياطة حينئذ بأن لا يكون عاصيا بتركها أيضا نظرا إلى حصول الغرض إذا عرفت هذا تبين لك أنه يمكن توجيه كلام المجيب بحمل الكون الذي نفي كونه جزا من الخياطة على الكون بالمعنى الثاني لأنه مورد النهي فيستقيم كلامه ويسقط به الاستدلال المذكور هذا غاية تحقيق المقام وإن كان كلام كثير منهم لا يساعد عليه واعلم أنه يتفرع على ما حققناه من أن النهي عن الكون في مكان لا يقتضي النهي عن مطلق التصرف فيه لا عقلا ولا عرفا أحكام كثيرة متفرقة في أبواب الفقه منها أن من نذر أن لا يكون في مكان أو نهاه عنه من يجب عليه إطاعته شرعا